أحمد فارس الشدياق
241
الواسطة في معرفة أحوال مالطة
ثم قلت له : إذا طلبته في الليل فهل أقوم من الفراش وأحمل اللحاف إلى البستان ؟ قال بل تدخّن في حجرتك . فأجبته إلى ذلك وسافرنا معا ، فلمّا بلغنا منزله سلّمت على زوجته ، فكان أول ما خاطبتني به أن قالت : طب نفسا من جهة تعاطي الدخان ، فإننا ننظف الحجرة منه كلّ يوم ، فاستدللت من ذلك أنه كتب لها قبل سفرنا في هذا الأمر الجلل . وإذا زارهم أحد أوّل مرّة ولم يكن من معارفهم فلا بدّ أن يعطي الحاجب تذكرة مكتوبة باسمه فيناولها الخادم سيّده في صحيفة من الفضّة أو البلّور ، ولا يكاد يدخل عليهم زائران في وقت واحد ، وقد يكون عند البواب دفتر يكتب فيه أسماء الزائرين في كل يوم . وفي الجملة فإنّ معاشرة هؤلاء الرؤوس تتعب الرأس والرجل معا وتضيع كثيرا من الوقت والمال ، وربّما دعاك أحدهم إلى غداء فقام عليك ذلك الغداء ثمن عشرة أغدية . مما يحمد نبلائهم ومما يحمد من هؤلاء النبلاء أنهم لا يضعون في أرديتهم سمات الشرف ، ويطوفون به ي الطرق تهويلا على العامة كما تفعل نبلاء فرنسا ، وإنما يتحلون بها في أوقات معلومة ، وكذلك الخواتين لا يتحلين بالحلي والجواهر إلا في الولائم والسهريات ونحو ذلك . ومن ذلك خطابهم خدمتهم بالرفق واللين ، وإن أظهروا عليهم العجرفة والعنجهية فالمخدومة تقول لخادمتها إذا أمرتها بأن تناولها شيئا هاتي هذا الشيء إن أعجبك ، وبعد أن تأخذه منها تشكرها ، وربما تباخلت عليها في الأكل والشرب ، وأرضتها بمثل هذا الكلام الطيب فيطيب خاطرها ، ومع هذا الرفق والملاطفة فلا تزال المخدومة متباعدة عن الخادمة ومظهرة لها فرق المقامين وتباين الشأنين فلا تدل عليها بشيء ، وإذا غضبت عليها فلا تكلمها بكلام يشف عن سفاهة وخروج عن حد الأدب ، كأن تقول لها مثلا يا فاجرة يا بنت الكلب كما تقول نساء بلادنا عند أدنى باعث ، أو أن تحرق عليها أسنانها . والعادة عندنا بخلاف ذلك فإن المخدومة تلعن الخادمة وتشحنها بحضرة الناس ، ثم تلقمها وتعلفها وتنبسط معها في الكلام ،